ابن قيم الجوزية
68
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 ) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ( 69 ) [ الزّخرف : 68 ، 69 ] وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة ، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به . فقال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر : 42 ] وقال : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ النّحل : 99 ، 100 ] . وجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين ، وهو الإحسان . فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان - « أن تعبد اللّه كأنك تراه . فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . في لزوم « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » لكل عبد إلى الموت قال اللّه تعالى لرسوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] وقال أهل النار وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) [ المدّثّر : 46 ، 47 ] واليقين ههنا : هو الموت بإجماع أهل التفسير . وفي الصحيح - في قصة موت عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أمّا عثمان فقد جاءه اليقين من ربه » أي الموت وما فيه . فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف ، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان « من كان يعبد ؟ وما يقول في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ » ويلتمسان منه الجواب . وعليه عبودية أخرى يوم القيامة ، يوم يدعو اللّه الخلق كلهم إلى السجود . فيسجد المؤمنون . ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود . فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك ، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا . ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد ، فهو زنديق كافر باللّه وبرسوله « 1 » . وإنما وصل إلى مقام الكفر باللّه ، والانسلاخ من دينه . بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم ، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه . ولهذا كان الواجب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بل على جميع الرسل - أعظم من الواجب على أممهم . والواجب على أولي العزم : أعظم من الواجب على من دونهم . والواجب على أولي العلم : أعظم من الواجب على من دونهم . وكل أحد بحسب مرتبته .
--> ( 1 ) هم الصوفية : يزعمون أن ربهم هو الحقيقة الكونية الأولى ، والنواة التي خرج منها كل شيء ، وشبهوه والوجود المنفصل عنه بالنخلة والنواة . فالرسل - عند الصوفية - يجهلون هذه الحقيقة فيعبدون اللّه ربهم ، ويدعون الناس إلى عبادته ، والتزام شرائعه وأحكامه . أما العارف من الصوفية : فهو الذي عرف هذه الحقيقة ، وعلم أن العبد هو الرب لأن فيه من النواة ، وفسروا الآية وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) بذلك ، أي حتى تصل إلى هذه الحقيقة . فتصير عارفا . فيسقط عنك حينئذ التكليف . فلا واجب ولا حرام عليك ، ولا حدود تقف عندها . وإنما ذلك على الذين لا يزالون في حجاب جهل هذه الحقيقة . قال هذا لسانهم ابن عربي في تفسيره وقال شارحا وموضحا : العبد رب ، والرب عبد * فليت شعري : من المكلف ؟ إن قلت : عبد ، فذاك رب * أو قلت : رب ، أنى يكلف ؟